الاثنين، 25 يناير 2016

ثــــلاث أصـــــدقاء …النصيب غلاب….من مذكرات شابة بالأربعين …الجزء الثامن





حسام صديق محمود رآك أمس بخطبة  محمود وأعجب بك ويريد التقدم لخطبتك,ما رأيك؟ … إنها هديه إحدى أقاربي وكانت صديقتي المقربة
أفرح بداخلي معلنة موافقتي قائلة : امممممممم … لا أعرفه جيدا … الإ إني اسمع عنه كل خير.
هديه:عموما هما ناس فلاحين وأنتي متربية بالمدينة وأمه سيدة صعبه جدا وكلامها كتير يُفضل ان تبتعدي عنهم فأنا صديقتك المخلصه وأتمني لكِ كل الخير إنهم لا يناسبون جميلتي .
أحتار قليلا : احتمال يكون طيب آراه شخص مختلف , وبعدين الرأي لأهلي في الأول وفي الآخر,وكونهم فلاحين أمر لا يعيبهم في شئ .
هديه :علي العموم أنا قلت لك رأيي وانتي حرة براحتك  .
وأنتهي الحديث بيينا عند هذا الحد , وبعد عدة أيام تدخل أمي غرفتي قائلة : جميله يا بنتي في موضوع أريد التحدث اليك بشأنة؟
أرد وقد فطنت الي هذا الموضوع إلا إني لم أظهر ذلك : أتفضلي يا أمي خيراً؟ّ!
أمي : هناك من يريد التقدم لخطبتك شاب محترم ونعرفة جيداً
أرد وكأني لا اعرف شيئاً : خير يا أمي من هو؟
أمي:إنه حسام قريب لنا أتتذكرينة رآك بخطبة محمود أخو هدية .
هديه كانت مصدر ثقة بالنسبة إلي فوضعت كلامها نصب عيني وتصرفت علي هذا الأساس : أمي أبعديني عن هؤلاء
تستعجب أمي عاقده حواجبها بإستغراب : لماذا ؟؟!! أهناك شيئاً لا أعرفة ؟ّ!
أبداً يا أمي فقط لا أشعر بالإرتياح مع هؤلاء يعشقون الكلام والغيبة والنميمة .
 كنت حينها في ثالثه كليه وأمي حاولت معي كثيرا و لكني رفضت وبشده ولم أعر الموضوع أي إهتمام وافتكرته انتهي.
وبعدما أنهيت الجامعة إذا بخالتي تحدث امي قائلة :لقد أنهت جميلة جامعتها وحسام بإنتظارها إنه شاب جيد, وأنتظرها للآن ولم يتزوج بغيرها تعلمين أنه يحبها ولا ادري سبب لهذا الحب؟ أهناك ما لا نعرفه يا أم جميلة؟
أمي وقد ضايقها السؤال : أفهم  ما ترمين إليه إلا أن إبنتي لا تعرفه اصلا .
خالتي : البعض يعتقد أن بينهم قصه حب الا اني كذبت الرواية … لم أعلم حينها لماذا اعتقد الجميع ذلك , مع إنى من الأساس لم أقابله أو اعرفه بشكل شخصى حتى .
حاولت أمي معي كثيرا مره أخري ولكن تدخل هديه  صديقتي المخلصة جعلني أتمسك برفضى و أعتقدت الموضوع انتهي هنا.
ولكن وبعد عده أشهر فوجئت بعوده زوج خالتي من السفر, ليحدثنى قائلاً : كيفك يا جميلة يا بنتي عامله ايه ؟
الحمد لله بخير حمد لله علي سلامتك
زوج خالتي: أنا محتار بأمرك يا جميلة  !!
أنا ؟! لماذا؟!
زوج خالتي :لماذا ترفضين شاب بأخلاق حسام انه ولد ممتاز ونعرفه جيدا ً؟ 
فقط لا أشعر بالإرتياح
زوج خالتي : لماذا إنه ولد جيد ؟
أعتقد ان عائلته ترفضني ؟
لا أعلم من أخبرك بهذا كل ما هنالك انهم يريدون أن يزوجه بأخري وهو مصمم عليك وقد هجرهم غاضباً وسافر ليعمل خارج البلاد منذ عامين منذ ان رفضتية أول مرة أنه فعل الكثير لأجلك فلا ترفضيه هكذا بكل بساطة .
أرد بكل حزم لأخلي نفسي من المسؤليه الملقاة  علي عاتقي : لماذا فعل هذا من أجلي …. أيعرفني ؟!
زوج خالتي : لا أعلم البعض يعتقد أن هناك حب بينكما.
لا يوجد بيننا شئ , لماذ الكل واهم بهذا ؟! كيف يترك عائلتة من أجل فتاة لا يعرف إن كنت حبة أم لا, تصرف غير مسؤول؟
زوج خالتي :لا تسأليني أنا بل أسالي نفسك شخص فعل كل هذا من أجلك أترفضينة ؟ فكري ملياً .

وانتهى حديثنا عند هذا الحد و أصبحت فى حيرة من أمرى , ولكن لازال زوج خالتى يحاول معي ….
زوج خالتي: أود الحديث معك يا جميلة .
اقتطب جبيني استغرابا: خير !
زوج خالتي :خير خير
أتفضل !
زوج خالتي : منذ عامين ترك حسام عائلتة وسافر ليستطيع الزواج منك دون مساعده من أحد كل هذا من أجلك أنتي أمله الوحيد ، أعطية فرصه لا أحد يستطيع أن يخبرة بذلك أعطيه فرصه كي تري مدي حبه لكِ .
اندهشت كثيراً من هذا الكلام وغمغمت … ها ! إنة لا يعرفني لماذا فعل كل هذا من أجلي؟
زوج خالتي :حبه لكِ دفعه لفعل أكثر من هذا ,أهله الآن يفرضون علية آخري , وبشده ….  أنت حب عمره قالها لي صراحة ولجأ إليّ كي أقنعكِ.
لم أفتح فمي بكلمه سكتت طويلا إستغراباً وتعجبا فقطع زوج خالتي صمتي : سأدعك تفكرين ولكن لا تفكري كثيرا بفتى فعل الكثير من أجلك.
ظللت يومين أفكر ولم تعرف عيني طعم النوم إلا أنني قررت الموافقة … تغيرت مشاعري تماما ونسيت كل شئ وتمنيت أن اقترب من هذا الذي فعل كل شئ لأجلي
غفوت قليلا بإرتياح إلا أن أيقظني هاتفي المحمول …..ارد : الو
ايوه  يا جميلة ..كيفك ؟؟
بخير الحمد لله مين ..هديه؟!
هديه:نعم هديه لكِ كل الحق تنسي صوتي .. المهم ألف مبرووك
بكل إستغراب :مبرووووك ؟!
هديه : علمت بأنك وافقتِ علي حسام
من قال ذلك ؟
رأيت الغضب بعيون الأهل ومشاجرات الإ انه يصمم علي الزواج منك … الف مبروك … تمنيت لو تركتية لعائلتة وخرجتي من  الموضوع .
كانت نبره صوت لم اعتادها من صديقتي هديه فاخبرتها : لم أوافق بعد .
هديه بعدما تبدل صوتها :الحمد لله توقعت ذلك يا لهم من أُناس كثيري الحديث أبعدي عنهم أفضل للجميع.
بنبرة صوت حزينة : ربنا يقدم ما فيه الخير.
تنتهي المكالمة عند هذا الحد ,تضارب مشاعري مره أخري وأشعر بالحيرة إلي أن تدخل أمي متسائله : مع من تتحدثين؟!
قبلت يدي أمي وأرتميت بحضنها وتبادلني أمي قبلات علي جبيني .. لأخبرها : صباح الخير إنها  هديه .
أمي:ماذا تريد بهذا الوقت الباكر ؟
تقول أن هناك مشكلة ببيت حسام بسببي لأني وافقت علي الزواج منه
أمي : لم نرد بعد إنها إمرأة لئيمه حذرتك منها كثيراً
لا أعتقد يا أمي إنها صديقه طيبة .
أمي وقد نهضت من مجلسها ستثبت لكِ الايام أنها لا تفكر بمصلحتك, سأهاتف زوج خالتك لأعلم منه التفاصيل .
وبعد دقائق عادت أمي مستاءة  : أما ناس ! زوج  خالتك أخبرني أن لا شئ حدث وان العائلة فرحة بأختيارك , من أين أتت صديقتك بمثل هذا الهُراء .
ارتمي بحضن أمي : لا أعلم .
أمي: أشعر بكذبها أعتقد لها الكثير من المصالح , المهم ما رأيك ؟ هل قررتِ الموافقة ؟
لا أعتقد أمي أن لها مصالح , وبالنسبة لحسام أشعر تجاهه بالموافقه والرفض بنفس الوقت , شعور يقلقني كثيراً أتمني لو أبتعد أفضل أيضا لم أشعر براحه عند استخارتي الله بهذا الامر .
أمي:إذن سنبلغهم رفضنا
 بعيون لامعه .. ألم تسمعي ما قاله زوج خالتي عن ما فعلة من أجلي !
امي:يعني موافقه ؟
أتردد مرة أخري : ما رأيك يا أمي ؟
إنة قرارك أنت من ستتزوجين الا ان الموضوع أصابني بالملل , وينتهى حوارى مع ماما عند هذا الحد .
بعد كام يوم يحدثني جوز خالتي هاتفيا
زوج خالتي :أهلين يا جميلة  كيفك ؟
بخير الحمد لله
زوج خالتي: أنتظر سماع رأيك بموضوعنا ؟
لا أوافق أريح للجميع .
زوج خالتي: أنتِ عنيدة جدا ،لا أستطيع أن أبلغه ذلك بنفسي ولا أي احد أنه لن يصدقنا يريد أن يسمع منك ذلك بنفسه .
أرد بكل غضب :أنا غير مسئوله عن ما هو فيه إنسان غريب جدا !!
زوج خالتي : سنحدد موعد مع الوالد ليأتي لزيارتكم أتمني ان تُراجعي قرارك مرة أخرى .
قلبي ينبض فرحا ,,,
أتي موعد زيارة حسام لنا كاد قلبي أن يطير من مكانه
حسام كان شاب وسيم ذو شعر كثيف وعيون لامعه قوي البنيان مفتول العضلات مصدر إعجاب للكثيرات وأعجبني أنا شخصياً إلا اني لم أكن بالفتاة الانانية .
حسام بكل هدوء ورزانة  : كيفك يا آنسه جميلة ؟
بخير الحمد لله وأنت ؟
حسام: أنا بخير طول ما أنتِ بخير, ربنا وحده يعلم فرحتي الآن.
ابتسم في خجل من كلاماته ..غمرتني نظرات عينيه حبا دب الحياة في أعماقي الدفينه :أنا بالكاد لا أعرفك جيدا كي أصدر قرارا،  ولكن الجو العام للموضوع لا يريحني.
حسام : أعطيني فرصه أسعدك ولا تنشغلي كثيراً بالجو العام سأحمكي دائماً.
شعرت بخفقات قلبه كما أن بريق عينيه أخذني بعيدا الي ان تاهت مني الكلامات :أتمني لو كنت قابلتك في ظروف أفضل لا أستطيع أن أكون سبب إبعادك عن عائلتك .
 حسام وقد غضب : من قال لكِ هذا ؟ عائلتي فرحة من أجلي , افهميني  أنا أريدك فقط أعطني فرصه أوعدك لن تندمي
انظر لعينيه طويلا واطلب منه وقت للتفكير.
استغرقت في التفكير كثيرا قلبي بدء يخفق بالموافقة وبشده وعقلي يرفض وبشده أيضا .
…………
تتدخل هديه:أعتقد إنكِ رفضتِ  صحيح ؟
ارد بكل ثقه وحزم :موافقة
هديه: موافقه !! كيف ؟ وقد اختار أهلة له عروس أخري
لم يخبرني بذلك رأيت الحب بعينية تجاهي .
لن يخبرك لإنه يريدك رغم انف الرافضين ابعدي عن طريق حسام أفضل .
لم أعترض طريق أحد
هديه :هناك اثنين غيره معجبين بك أيضا من يوم الشبكة لديك الكثير من المعجبين لا أعلم السر
أستغربت وكأنها ليست صديقتي : نعم !
…………

هرولت لحضن امي خائفة اسألها ماذا افعل ؟
لتحتضنني قائلة : أعلم جيدا أن هديه تملأ رأسك بالكلام هي لم تكن تصلح  صديقة لابنتي من زمان بالمناسبة العروس الاخري قريبة هدية
بكل أستغراب وكأنها صدمه : نعم !!!!!
أمي:لازالتي صغيره وتنخدعي بالناس , حذرتك منها كثيرا.
قررت الرفض وشاركتني امي أيضا قراري … أخذت قلبي معي وذهبت بعيدا .. واستسلم حسام لاختيار عائلته ولم يعد يحارب من اجلي .. كان علي أن استمع لخفقات قلبي حتي وان خفق مؤخرا
بدأت الناس تلقي اللوم علي ويتهموني بأني كسرت قلبه بالرغم من أن قلبي أيضا كان مكسورا ولكن في صمت … وتزوج حسام وقطعت علاقتي بهدية.
واستمرت الحياة  ……وتقدم لي هاني بعد ما علم برفضي لحسام هاني صديق حسام الانتيم رآني أيضاً يوم الشبكة
******
الـصـديـق الـثـانــي
هاني :أعجبت بك وأتمني أن أكون معك لنهاية العمر,ولا أريد الافصاح عن فرحتي برفضك لحسام هكذا بدأ حديثة ……
أقاطعه:أرجوك أنا أحترم حسام كثيراً وسبب رفضي له هو خلافات عائلته ليس إلا..
هاني :فعلا هو أحبك كثيراً تحدي الجميع من أجلك الإ إن النصيب غلاب.
فعلا الحياة نصيب ليست مجرد قرارات.
هاني : أتمني من ربنا  أن تكوني من  نصيبي .
طلبت منه وقت كافي للتفكير ليرد : خذي ما يلزمك من وقت للتفكير.
أتسأل بكل سذاجه :ماذا يعجبك بي بالرغم من إنك لا تعرفني جيداً ؟
 هاني : أنتِ
نعم !
هاني يكرر:أنتِ
كيف ؟!
هاني: لا أعرف أنتِ فقط .
يتبادرلذهني سؤال أوجهه له: أين انت بعد خمس سنوات ؟
هاني وقد لمعت عيناه:معاك ومعنا3 اطفال
أبتسم قائلة : أعطني وقت للتفكير .
هاني : منتظر ردك بفارغ الصبر .
…………………………………..
أصبحت لا أدرك مشاعري , ولكني تركت مشاعري جانبا وأخذت قراري .. لم أشعر بأي إرتياح تجاه هاني ولم أستطع أيضا فتح قلبي بعنوة ,لكن أمي لم تكن لتدعني وشأني….
امي : حسام خطب وأنت لازم تتخطبي واقفي علي هاني زميله علشان كرامتك قدام الناس .
أنا أخذت قراري بعدم الموافقة  ولا أفكر بالناس,سواء إتخطبت أو غيره لن أسلم من كلام الناس .
أمي :بلا فلسفه فارغه أسمعي الكلام هل سترفضين عريسين مرة واحدة .
 ماما غير  موافقه .
أمي: يعني هذاا قرارك النهائي ؟
نعم 
أمي:امممممممممم طيب سأصمت فقط لأن صديقهم الثالث زغلول هو أيضاً كان معجب بكِ رآك يوم الشبكة أيضاً.
اتساءل ضاحكه :هو انا كنت لوحدي بتلك الخطبة ؟
الـصـديـق الـثـالـث
لم ييأس زغلول الصديق الثالث قال يمكن توافق علي ,من غير المنطقي أن أرفض ثلاثة معا  .
تلقت أمي اتصال هاتفي من أم زغلول
أم زغلول : أم جميلة أعلم ان أبنتك رفضت اثنين قبل أبني إلا أن إبني يختلف , والغريب إنه مصمم علي التقدم لها بالرغم من معرفتة ذلك , إلا أني أري إبنتك ترفض كثيراً وكأن هناك من يشغل بالها .
أمي :إحترسي بكلامك يا أم زغلول إبنتي غير ,عرسانها كثر وهي براحتها تختار كما تشاء .
أم زغلول : ليس القصد فقط ……
تقاطعها أمي :كل شئ نصيب .
أم زغلول : اه طبعا كل شئ نصيب في الأول وفي الآخر,إذن نريد التقدم لجميلة ولكني أخشي دخول المنزل و الرفض هل عندك مانع ان نتقابل بالخارج بأي مكان تختارينة أصبح الجميع علي هذه العادة هذه الايام؟
امي : سأستشير زوجي و أبلغك بالرد
أبي رفض وبشده قائلاً : نحن ببيتنا من يريدنا يأتي الينا,حاولت أمي إقناعه معلله بالمثل الشعبي (متوقفش حال المراكب السايرة)،ولكن رد أبي كان قاطع : لا يعني لا .
وأبلغتهم أمي بأننا في بيتنا يمكنهم زيارتنا في أي وقت ……
إلا أن رد أم زغلول كان قاطع : كل شئ نصيب بنتك ممكن ترفضنا .
ضحكت وبشده عندما سمعت كلامها أنا حتى لا أعرفه , أبلغت أمي رفضي ورفضت هذا العريس أيضاً .
وهكذا أكون رفضت ثلاث عرسان مره واحده أعتبرني البعض مجنونه وأعتبرني آخرون مغرورة, إلإ  إني بصراحة كنت راضيه جداً عن قراراتي رغم غضب الكثيرين مني


السبت، 23 يناير 2016

دموع حضرة الضابط

أنطلق آذان المغرب بكل مكان بوسط البلد تحديدا ميدان رمسيس , يهز أرجاء المدينىه , و الكل منشغل لم يلحظ أحد .وهكذا انا ايضا لم يتسنى لى سماع الآذان من أصوات الباعه الجائلين و ضوضاء الميكروباصات وهتفافات البعض الآخر .... بأى حال  كان على أن أستقل الميكروباص الي الموقف , بعد جوله طويله بمدن القناة , لم تكن المرة الاولى لى التى ازور فيها مدن القناه ولكن هذه الزيارة كانت مختلفه ... كانت المدن هذه المرة كئيبه يسودها الظلام تشعرك بالبرود وكأن لا حياة فيها ... أستقليت الميكروباص  أصر السائق ان ادفع ثمن كرسين , لان عربته جديده وغير كل العربات الموجوده  .... الجميع وافق على ذلك وبالطبع رفضت انا ونزلت ...    كانت العربه الاخيرة و الظلام يعم ومحافظتى تبعد ثلاث ساعات , وبدأت أشعر بالقلق وبعد لحظات أتى ميكروباص آخر و بدأ الركاب بالصعود ......جلس ورائي رجل يبدو بالستين من عمرة أصر ان يعطينى الاجرة لأحاسب له لانى ينسي فوافقت بلطف بدا كجدى   كان ينقصنا راكب وبالقطع لن يتحرك الميكروباص قبل ان يكتمل, وأثناء تفكيرى بان أدفع ضعف أجرة لراكبين ....أتى ضابط جيش متألق في حلته ومعه حقائب يبدوا انه أعدها بسرعه من عدم ترتبيها    
 الكرسي الناقص كان بجانبى ساعدته بوضع حقائبه وشكرنى بكل  لطف و أدب جم وهنا لاحظت انه شديد الحزن و كأن الارض لا تسعه حزناً   
 كنت سأنطق بكل فضول خير يا حضرة الضابط مالك ؟؟
 ولكنى تراجعت و فضلت عدم إرضاء فضولى فأنا بالاخير لا أعرفه  
  ولكن ظل الفضول يداعب رأسي بالكثير من الاسئله , أحسست أن الهم جلس بجانبى.   
 ونظرت من الشباك وسرحت بمنظر الباعه الجائلين المنتشرين بوسط البلد وزحمه الطريق  
  وأستفقت من شرودى على صوت الرجل العجوز الذى يجلس ورائي يحدث الضابط بجانبى " مالك يا حضرة الضابط ؟؟؟    وهنا وفجأة وبدون مقدمات ألتفت سريعا للضابط فكان يثير فضولى , فوجدته يمسح دموعه المنهمرة و قد أحمرت عيناة من البكاء و كأنه كان يبكى لاسبوعا ... لاتسعه الارض حزنا كما تكهنت  
  لم يستطع تجفيف دموعه المنهمرة فأعطيته منديلا فأخذة منى دون أن يلتفت لى قائلا للعجوز : زعلان على أصحابى الي بيموتوا يا حج 
ربت العجوز على كتفيه بحنان جم  قائلا " ربنا كبير يا بنى هون عليك "    أغمض الضابط عينيه و كأنه يتذكر قائلاً " أنا نازل جنازة زمايلى "  
  ليس من السهل بكاء الرجل ولكنه كان يحمل أكثر مما يطيق   
 أبتسم العجوز له وابلغه تعازيه وقد فعل كل من بالسيارة   
ولكنى لم أنطق بشئ كنت أستمع للحوار بتأثر لم تسعفنى الكلامات حينها  لينبهنى الضابط بكل لطف ان علي النزول فقد وصلنا.  
   ساعدته بحقائبه كان يبدوا تائهاً وشكرنى بكل إحترام ... ولكن لا أعلم لماذ آلمنى شكرة بتلك المرة ولم تسعفنى الكلامات أيضا لأرد    25/10/2014    رمسيس   

الخميس، 21 يناير 2016

أم دلال الخيّاطة…من مذكرات شابة بالأربعين ….الجزء السابع



في كُلِّ مَرَّةٍ كُنتُ أَطلُبُ مِن أُمِّي أنْ تَدَعَني وَشأني, في الحياة أشياءُ مُهمَّةٌ كالزواج, الزواجُ ليسَ كلَّ شيءٍ… إلّا أنّها سرعان ما كانَتْ تَضرِبُ بكلامي عرضَ الحائِط, كُنْتُ أَعذرها في تفكيرها وفي الوقت نفسِه لم أَكُنْ أُقْنِعُها بذلكَ، وبالأخير كلٌّ مِنّا بطريقة.
أمُّ دلال الخياطّة: إيه رأيك يا أمُّ جميلة بالعريس دا؟
أمّي: من هذا يا أمّ دلال؟
أمّ دلال الخيّاطة: إنة  دكتور أطفال أدِّ الدنيا، شغّال في دولة عربية , أمّه زبونة عندي من زمان, بدوَّرْ لابنها على عروسة، والصراحة قلت جميلة بنتك أولى، عريس حلو وميترفضش, وجميلة بنت حلال تستاهل كلّ خير
أمّي: الله يكرمك يا أختي, هقولَّها، لعلَّ وعسى ربّنا يهديها وتوافق، خلِّينا نفرح بقى.
-جميلة هو أنتِ لازم تكمّلي دراسة؟ كلّه كلام فاضي يا بنتي، الزواج سُترة. …أمّي في حوار ناعم هادئ
أدركتُ طبعًا أنَّ هناكَ عريسًا: اممم… خِير يا ماما؟
أمّي: ما رأيك بهذه الصورة ؟؟ بكلّ استغراب: من هذا؟
أمّي:كما ترين ، راجل محترم وابن حلال، أهو قدّامك.
أنا بكل تعجب : بجدّ كلّ دا في الصورة, تعرفيه يعني يا ماما ؟
أمّي: لا… هعرفه منين؟؟ دا دكتور أطفال وعاوز عروسة, والله يكرمها خالتك أمّ دلال جابتلك الصورة
اممم جميل
أمّي: طالما عجبك عاوز يشوف صورتك هو كمان؟! أنظُرُ لأمّي باستغراب: صورته
أأها… ماما افهميني شويّه… أنا مُش حابّة الطريقة دي في اعتبارات تانيه أهمّ من الصور
.
أمّي ثائرة: إنتِ يا بتّ مَعندكيش دم, هو لسه حدّ بيتقدّم والكلام دا, الجواز اليومين دوول بقى كلّه كدا… خطف يا حبيبتي ال تلحقيه تخطفيه , أديكِ شُفتي صورته وهتكلِّميه على الإنترنت وتتعرّفوا براحتكم, هو مُش هينزل علشان خاطرك مخصوص
.
أمّي تُكمِلُ حديثَها: سيأتي مصر لخطبتك ويعود لعمله وستسافرين عروسًا له، ما رأيك؟
لا أوافق لازم اعرفه جيدا وادرس اخلاقه

أمّي وقد ثارَتْ: بَطَّلِي غباء بقى, كلّ اللي في سنّك اتجوّزوا وبقى معاهم عيال, أنتِ مُخّك شغّال أصلًا؟؟ أنتِ عندك قلب ومشاعر زي الناس الطبيعيّة؟؟ بلا اعتبارات بلا كلام فاضي، خلِّينا نفرَح زي الناس
. نعم!!! عاوزنى اتجوز بالطريقه دى!!! ايه الغرابه دي.
أمّي: ما غريب إلّا الشيطان يا أختي, أنتِ الغريبة, عمرك ما هتتجوِّزي وأنتِ بتفكّري بالطريقة دي, طول ما أنتِ معقّدة كده.
أُحاوِلُ إرضاء أمّي معَ أنَّ كلامها وجعني: متزعليش يا ماما, أمّا يِنزل مصر ييجي يتقدّم وأشوفه!!
وتغيَّرَتْ نبرة أمّي الحادّة وأصبَحتْ أكثرَ هُدُوءًا واقترَبتْ مِنِّي حانية: هوَّ في حاجة أنا معرفهاش يا جميلة؟؟ ليه رافضة الجواز؟ كلّ اللي في سنّك هيموتوا ويتجوِّزوا إلّا أنتِ؟
أنا سعيدة فِعلًا مِن غير جواز, الجواز مُش كلّ حاجة, الحياة فيها حاجات مُهمّة كتير زي الجواز.
أمّي: بَطَّلِي فلسفة خايبه بقى وشوفي مصلحتك, الجواز نص الدين, وخطوة مُهمَّة في حياة أيِّ عاقل
ماما الجواز دا شكليّات, وبصراحة الموضوع بالنسبة لي كماليّات.
أمِّي في استغراب: كماليّات؟! إيه الكلام الفاضي دا؟؟ أنتِ بلهاء غبيّة
.
أضحَكُ لأمّي وأُقَبِّلُ يَدَيْها التي لطالما حنتْ عليّ دائمًا, ماما أنا (21) سنة, ليه بتتكَلِّمي وكأن القَطْر فاتني كده؟! أنا بس في انتظار الراجل المناسب اللي يغيَّر تفكيري… رجل أَتغيَّر من اجله , الحياة مُش رجل وفتى أحلام.

وأَعْتَقِدُ أنَّ المَوضُوعَ انْتَهى هُنا؛ لأنّه في اعتبارات كثيرة غير صورته وأكلّمه على الإنترنت إنّه زواج، قرار أبدي وأمّ دلال وافقتني الرأي.
……………………………….
بالنِّسبة لأمّ دلال الخيّاطة فقد كان لها تَجرِبةٌ مَعَ الزواج… الجميع يَعرِفُ ابنتها دلال ولكنْ ما سَمِعَ أحدٌ مِن قَبل عَن أبي دلال, منذ ما يقرب مِن الثلاثين عامًا كانَتْ أمُّ دلال بنْتًا شابَّةً جميلةً يافِعَةً تَتمتَّعُ بالأُنُوثة والحَيويَّةِ، أَحَبَّتْ شابًّا واعْتَبَرَتْ نفسها محظوظة؛ لأنّها فازَتْ بِحُبِّها, ولم يَمُرَّ سوى أُسبوع على زواجها منه.
حقيقة أمِّ دلال كانَتْ صريحة وواضحة معي في إجاباتها، الحُبُّ لا يُعَوَّضُ خاصّةً إذا أَحْبَبْتَ بِصِدق, وقد عَلِمَتْ أنّ زوجها السابق تزوَّجَ عليها إلّا أنّها ما زالَتْ على عهدِها له قائِلةً: صعب أنْ تسترِدَّ قلبَكَ مِن شخصٍ أَهْدَيْتَهُ إيّاه، هذا هو الحُبُّ، غباءٌ مِن لا شيء على حَدِّ وَصْفِها, الهديَّةُ لا تُرَدُّ ولا تُسْتَبْدَلُ .
فاسْتَقَرَّتْ في هذه البلدة وتعلَّمَتِ الخيّاطة وعَلِمَتْ أنّها حامِلٌ بعدَ أنِ استقرَّتْ ومَعَ ذلك لم تستَطِعِ التخلُّصَ مِن الجَنين، ولم تَكُنْ قد أَخْبَرَتْ جيرانَها بأمْرِ زواجها فسرعان ما انْتَشَرَتِ الشائعاتُ إلى أنْ عَلِمَ الجميعُ حقيقةَ هُرُوبها واحْتَضَنَها الجميعُ واحْتَرَمَ كِفاحَها فعاشَتْ كأهل البلد وَرَبَّتِ ابْنَتَها دلال ورَفَضَتْ تَزويجها.
لم أسْمَعْ أنّها تَطَلَّقَتْ، فلم تذكُرْ شَيئًا عن زوجها السابق كما رَفَضَتِ الزواج أيضًا مُعَلِّلَةً أيضًا أنَّ الخيّاطَةَ لا تَصْلُحُ زوجَةً, ومعَ ذلك كانَتْ خاطِبَةً وتَتكلَّمُ عنِ الحُبِّ والحَياة والأُسرة, لماذا تُوجَدُ فجوةٌ دائِمًا بينَ ما نُريدُه وما يتحقَّقُ فِعلًا؟ لماذا يُسَيْطِرُ عَلَيْنا الخوفُ مِن خَوْضِ تَجرِبَةٍ ثانية؟ هل نخشى الفشل؟ لا أدري.


الأربعاء، 20 يناير 2016

زوجتي لا ترتدي البِنطال…مِن مُذَكِّرات شابَّةٍ بالأربَعين…الجزء السادس

يدقُّ جرس منزلنا صباحَ أحدِ الأيّام باكرًا… مَن؟ مَن؟
ليأتيَني الرَّدُّ: افْتحي يا جميلة أنا خالتك عفاف.
فتحت الباب قائلة: خير يا خالتو اتفضَّلي (فلم يكن من عادتها زيارتنا باكرًا).
خالتي عفاف: خير يا بنت أختي أيقظي أمّك أريدها ضروري.
أمّي متثائبة: أهلين عفاف، صباح الخير، صحيت من صوت الباب .
خالتي عفاف: الساعة (11) حد نايم للآن؟
أمّي: ادخلي يا بتّ يا جميلة حضري الإفطار.
وبعد عشر دقائق: الإفطار يا خالتو اتفضّلي.
خالتو عفاف: تسلم إيدك، اقعدي افطري واسمعى, أخبرتني صديقة أمس أنّ صديقةً لها تبحَثُ عن عرُوس لأخيها .
أتدخَّلُ في الحديث: واحدة صاحبة صاحبتك أخوها عاوز عروسة !
أمّي: اسكتي يا بت… وماذا يعمل هذا العريس؟؟
خالتي: مهندس اتّصالات يعمل باحدى الدول العربية.
أمّي: حلو.. خريج هندسة؟؟
خالتي: لا، هو دبلوم إلّا إنّه يعمل بشركة اتّصالات فينادوه يا بشمهندس .
أمّي: آه.. كمّلي فطارك.
خالتي: حمدًا لله سفره دائمة .
أمّي: يدوم عزّك، يأتي لزيارتنا، أهلًا وسهلًا.
خالتي: لا إنّه بالخارج ستأتي والدته تخطب له, أمّا العريس فسترونه يوم الفرح .
أمّي: لازم نشوف العريس ونقرّر.
خالتي: الناس أصبحت تتصرف بهذه الطريقة لا تصعبي الأمور، إلّا إنّه يشترط عليّ عروسة ألّا تكونَ مِن مُرتَدي البَنطلون؛ لأنّه حرام .
أمّي: حقُّه طبعًا، أساسًا البنطلون حرام .
هُنا أتدخّل: نعم! نعم! ما هذا الشرط الغريب؟ لا أوافق.
خالتي: لا غريب ولا شيء.
أمّي: عادي جدًّا، راجل محترم أساسًا، البنطلون حرام .
…………………………
وفى الموعد المُحدَّد وكالعادة…
أمّي: يا أهلًا وسهلًا.. اتفضّلي يا أمّ مصطفى.
أمّ مصطفى: يزيد فضلك يا ختي ويريّح قلبك ويْطمِّن بالك .
أُمّي: منوّرة يا عفاف يا أختي… كيفك؟
عفاف: بخير يا أختي، تسلمي من كل رديء, إنّها الستُّ أمّ مصطفى.
أُمّي: يا أهلًا وسهلًا، نوّرْتُونا.
أمّ مصطفى: يا أهلًا بيكِ يا أختي، البشمهندس ملتزم ومربّي ذقنه، وقالِّي: يا ماما إللي هتعجبك هتعجبني، قالِّي: شوفي إللي تريَّحك وإللي يريَّحك يِرَيَّحني .
أمّي: ما شاء الله! ربِّنا يخلِّيهُولك.
أمّ مصطفى: وقالِّي: ابحثي عن فتاة لا ترتدي البنطلون.
أُمّي: آه طبعًا.
أمّي مُنادِية: يا جميلة، يا جميلة هاتي العصير؟
-حاضِر يا أُمّي. (أدخل وبيدي صينيّة العصير) اتْفضَّلي العَصير يا ماما  .
أمّي: الستّ أمّ مصطفى الأوّل، وسلِّمي عليها.
أمّ مصطفى وهي تطبَع قُبلتين على خدّي: ما شاء الله تبارك الله فيما خلق .
-يا أهلًا يا طنط.
أمّ مُصطفى: لا، طنط إيه, طنط دي لا مِن القرآن ولا من السُّنّة، دي مِن البِدع، قوليلي يا خالة، ما كلنا أخوات في الإسلام.
-حاضر يا خاله، اتّفضّلي العصير .
أمّي مُعلِّلةً: طبعًا أخوات في الإسلام …
أمّ مصطفى: شكلك هادئ وارتحْتلّك، بس أنتِ رفيعة ألا تأكلين؟
أمّي: أكلها ضعيف.
أمّ مصطفى: أريدك أنْ تأكلي كثيرًا، الفترة القادمة كي تسمني فالبشمهندس لا يُحِبُّ الفتاة الرفيعة.
أبتسِمُ في وجهها قائِلًا: إنْ شاء الله. وإنْ كنت هكذا أحِبُّ نفسي .
أمُّ مصطفى: أَلا تُوجد صورة لجميلة نرسلها بالبريد لمصطفى يا أمّ جميلة بعد إذنك يعني؟؟
أمّي: أنتِ لم تأتِ بصورة لابنك معكِ كي أعطيكِ صورة لابنتي؟
أمّ مصطفى: معكِ كلّ الحقّ، أصل الصور حرام، ومصطفى لا يُحبُّ التصوير.
هنا أتدخّل: إذن لماذا تريدين صورتي إذا كانت الصور حرامًا؟
أمّ مصطفى: لا الصور للضرورة ليسَتْ حرامًا .
أَرُدُّ بكلِّ هُدُوء: لا يوجد عندي أيّ صور ولا بُدَّ مِن رُؤية العريس أوّلًا.
أمّ مصطفى: أكيد سَيُهاتِفُكِ وستسمعين صوته.
والله كَتَّرْ خِيره صوتُ المرأة عورة ولا أُحِبُّ حديثَ التلفون، إنّه زواج .
أمّي مُؤَكِّدةً كلامي: فعلًا لا بُدّ مِن رؤية صورة العريس حتّى ..
أمّ مصطفى مُتجاهِلَةً الكلام: واللهِ يا أمّ جميلة أنا ارتَحتِ لك وأحببْتك كثيرًا وأَتَمنّى أنْ تَكُونِي مِن نَصيب ابني يا جميلة.
وانصرف الجميع بعد الكثير مِن الكلام مِن هُنا ومِن هُناك.
………………………………
اعْتقدْتُ أنّ الموضوعَ انْتَهى؛ لأنّه مَرَّ الكثير ولم يُحدِّثْني أحدٌ بالموضوع إلّا أنِّ أُمّي لم تَكُنْ لِتَنسى.
-جميلة… يا جميلة… بت يا جميلة.
-أيوه يا أمي، خير؟
أُمّي: أهل أمّ مصطفى يريدون زيارتنا لقراءة الفاتحة.
-مَن؟!!!
أُمّي: السّيِّدة التي أَتَتْ برفقة خالتك مُنذ فترة.
-(بكلِّ دهشة) أُمِّي أأنتِ جادّة؟؟
أُمّي تَرُدُّ بكلِّ فرحة: طبعًا، إنسان مُتَديِّن ومُلْتَزِم، لقد سَأَلَ أبوكِ عنهم .
-كيف أُوافِقُ على شخصٍ لم أَرَهُ؟! إنّه زواجٌ يا أُمِّي، ليس مَعقولًا ما تفعلينه.
أُمِّي: سيتَّصلُ بكِ ويُحادِثُكِ وسَتَعْرِفينَهُ، لا تقلقي ولكن بعد كَتْبِ الكِتاب؛ لأنّه حرامٌ طبعًا يسمع صوتك دون أنْ تكوني على ذمّته.
-نعم! البشمهندس يريد كتب الكتاب كي يسمع صوتي!! إنّه الجُنُون بعينِهِ، أَلا يُوجد عاقِلٌ هنا غيري؟ وهل يُوافِقُ أبي على مثل هذا؟
أُمّي: طالَما أنّهم أُناس طيِّبونَ فما المشكلة؟
كلامي مع بابا لما يرجع.
………………………………

-أبي أنا ………
يُقاطعني أبي: لنْ يحدثَ شيء يا جميلة لا تُريدينه.
-أبي تفهَّمْني قليلًا، لا أُحبِّذ هذه الطريقة في الزواج، الزمن اتغيَّر.
أبي: ما زالَ هناك أناسٌ طيِّبونَ رغْمَ تغيُّرِ الزمن.
-يأتي العريسُ بنفسِه كي أَراهُ وَأُقَرِّرَ بنفسي.
أبي: تعلمينَ جيِّدًا أنّه بالخارج وَوَكَّلَ أُمَّه بهذه المهمّة.
-إذن لا أُوافق على أُمِّه.
تتدخّل أُمِّي بكلِّ عصبيّة: يا لكي من فتاةٍ عنيدةٍ غبيّة.
أبي: دَعِيها وشأنَها، إنَّه قرارُها .
هنا تتدخَّلُ أُمّي: ما معنى هذا؟ سنرفُضُ هذا أيضًا؟؟
أبي: إذا كانَتْ رغبة جميلة بالرفض؟
ينظر والدي إليَّ لِيَضَعَ الكُرةَ بملعبي: نعم أرفُضُ وبِشدّة طريقةً لا تُناسبني.
أبي: إذن كما تُريدينَ إنَّها حياتُك.
أُمِّي في غضبٍ: ما هذا الهُراء؟! لقد سَأَلْنا عنهم، أناس طيّبون.
-أُمِّي الكثير مِن الأُناس الطيِّبينَ أبناؤهم غير طيِّبينَ، ليسَتْ قاعِدةً عامّة .
أُمّي: ارحميني مِن هذه الفلسفة قليلًا، انظري حولَك وكَفى نظريّات فلسفيّة .
-أَخْبِريهم يا أُمِّي فَوْرَ نُزُوله مِصر يُمكنه زيارتنا.
أُمِّي: أتعتقدين أنّه سيظَلُّ بانتظارك, أُمّه ستخطِبُ له أُخْرى .
إذن مبارك، كلُّ شيء نصيبٌ بالأول والآخر… وقبَّلْتُ يدَيْ أُمِّي وانْصَرَفْتُ، ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحَدِّ.
………………………………
خالتي عفاف مُوَجِّهةً حديثَها لأُمّي: البنات مِن سِنِّ جميلة وأصغر تزوّجوا ومعهم أولاد الآن لم تَعُدْ صغيرة على الرفض.
أُمّي في حُزنٍ: ماذا أفعلُ؟؟ دائمًا تُغضِبُني ويُشَجِّعُها أبوها كثيرًا.
خالتي عفاف تنظُرُ إليّ: أتتذكَّرينَ حسام؟ هذا الذي فعَلَ المُستحيل لأجلِك؟
أنا بِكُلِّ مَلَلٍ من نفس الأسطوانة: ها؟
خالتي عفاف: تزوّج وأصبح أبًا وأنتِ ما زلْتِ تَتَفَلْسَفِينَ .
كانَ يُضايِقُني مثلُ هذا الكلام كثيرًا، لكنْ رَدَدْتُ ببساطةٍ: مبارك.
أُمّي تُكْمِلُ: والدكتور أحمد خطب وفرحه قريب, سمعتي زغاريد أمس فرح بنت جارتنا صاحبتك على فتى مُدمِنُ مُخدرّات وتاجر أيضًا.
-نعم!! لماذا؟؟
أمّي: ولد يسمّى هاني يبيع مُخدّرات.
يعرفون عنه ذلك وَيَرْضَونه زوجًا لابنتهم .
أمّي: أتعتقدِينَ أنّ الناس معقّدة مثلك, وافقوا طبعًا؛ لأنّه عنده شقّة وعربيّة، وأُمّها قالَتْ: ستُصلِّحُه ابنتي, الناس تريد الفرح .
ثمّ تُكمل خالتي: ركِّزي قليلًا يا جميلة يا بِنتي واعقلي.
هو الهدف في الحياة الزواج فقط, أيّ شخص والسّلام، لا يهم مَن هو، ولا تهمُّ أخلاقه؟؟
أُمّي: الزواج مثل البطّيخة، أنتِ وحظّك.
عليّا أختار صح، حد أكون راضيه عن نفسي معاه؛ كي أتحمَّلَ نتيجَةَ قراري.
خالتي: بلا فلسفة، نحن أدرى بمصلحتك.
حاضِر… بالمُناسبة أنا أَحب أدرس اختياري بعد إذنكم يعني .
أمّي: والله أنتِ هَتْمَوِّتِيني ناقصة عُمْر.
خالتي: عارفه لو اتجوِّزتِ واطَّلْقتِ أهون مِن إنّك ترفضي كده كلّ شويّة .
-عادي يعني اتجوِّز وأطلّق؟!
خالتي: حينها ستجدين ألف مين يتجوِّزك، لكن لو ظلِّيتِ هكذا لن تتزوَّجي أبدًا .
الصراحة، أنا لم أَعُدْ أَفهم فكرةَ الزواجِ ولا فاهمة طريقة تفكير الناس .


يتبع ….

الجزء الخامس مثير للضحك


في أحد الأيّام الهادئة… وفي أثناء عودتي إلى المنزل, لَفَتَ نظري مَحَلٌّ لِبَيع النظارات الشمسيّة, دَخَلْتُ إلى المَحَلِّ لِكي أقتَنِيَ واحدةً وَتَبِعَتْنِي فَوْرَ دُخُولي سيِّدةٌ شِيك يَظهَرُ عليها الرُّقُيُّ، تَبْحَثُ عنْ أغلى النظارات, وأَعْتَقدُ أنَّ صاحب المَحَلِّ كانَ يَعْرِفُها مِن ترحابه الشديد بها, الْتَفَتَتْ قائلةً: مُمكن تساعديني أجد نظارة تناسبني؟
الْتَفَتُّ لها مُبتَسمةً قائلةً: أووي أووي طبعًا.
ظَلَّتْ تَبْحَثُ عن أغلى النظارات حتّى احتارَ البائع وقد مَلَلْتُ مِنْها أيضًا, إلّا أنّها اختارَتْ نظارَةً أخيرًا, وَسَأَلَتْنِي وهي تَدْفَعُ الحِساب: أنتِ دخلتِ قلبي وحبيِّتك، أنتِ مخطوبة؟
أخْبَرْتُها وكنتُ بطريقي للخُروج مِن المحلِّ بعد أنْ أصابَتْنِي بالمَلَلِ ولم أشترِ لنفسي شيئًا مبتسمةً وفي عَجَلَةٍ مِن أمري: لا.
رَدَّتْ فورًا: كويِّس، أنا الدكتورة رانيا المهدي دكتورة أمراض جِلديّة.
في عدمِ اهتمامٍ قُلْتُ لها: أهلًا وسهلًا.
قالَتْ: أَبْحَثُ عن عروسٍ لأخي، إنّه مُحاسِبٌ بوزارة الماليّة, وبصراحة أَحْبَبْتك ودخلتِ قلبي؟
كُنْتُ بانتظار تاكسي ولم أُعِرْ كلامَها أيَّ اهتمام فابْتَسَمْتُ قائِلَةً: نعم !
رانيا المهدي بكلِّ هُدُوء وَبُرُود: لا تتعجَّبي، نحنُ على أَتَمِّ استعداد لِكُلِّ طلباتك وسندخُلُ البيت مِن بابه؛ لأنّنا نُحِبُّ الأُصُول، وبعدين بقولّك شَغّال في وزارة الماليّة يعني مُرَتَّبْ كويِّس وشقّة وعربيّة، حياة مستوى مختلف, ثانيًا لن أرضى لكِ شيئًا سيِّئًا .
رَدَدَتْ عليها: أنتِ لا تعرفينني مِن الأساس، ابحثي لأخيك عن أخرى ترضى .
رانيا المهدي: أنتِ حُرَّة، براحتك، ستخسرين عريسًا فرصة, فقط شعرت بالراحة تجاهك.
-واضح إنّك بترتاحي لأيِّ حدّ.
رانيا المهدي: يا حبيبتي سندخل البيت من بابه، افهمي .
أَضْحَكُ مُقَهْقِهَةً: هو أيّ حدّ أعرفه من الشارع أدَخَّلُه بيتنا؟
رانيا المهدي: أنتِ يعني لاقيه حتّى، في أزمة عرسان اليُومِين دُوول.
وإنْ شاءَ الله أخوكِ هَيْحِلّ الأزمة؟ روحي ربِّنا يسهّلك، سلام .
تُغَمْغِمُ السَّيِّدة: براحتِك، أنتِ اللي خسرانة.

وانصرَفْتُ وَعُدْتُ لِمَنزلي أَقُصُّ لأمّي ما حَدَثَ لِتَلُومَنِي كالعادة على ضياع الفُرصة وعدم تقديري الجيِّد للأُمُور… إلخ.

انـتَـظـرْتُهُ كــثــيــرًا


بعدَما رَفَضْتُ أنْ أَرُدَّ عليه في الكُليّة سَأَلَ عنِّي وتقدَّمَ لي, وَأُعْجِبَ جدًّا بعدم كلامي معه، وقالَ لأبي: أعشَقُ الفتاةَ صعبةَ المِراس، رَفْضُها للحديث معي بالكُليَّة عَلَّقَنِي بها كثيرًا جَعَلَنِي أُصَمِّمُ أكثرَ عليها.
تقدَّمَ لِخِطبتي الدكتور عبد الفتاح وهو أستاذٌ جامعيٌّ يكْبُرُنِي بـخمسةَ عشرَ عامًا, وَكُنْتُ أَرْفُضُهُ تمامَ الرَّفْض, إلّا أنَّ أُمِّي رَأَتْ أنَّه فارِقٌ مناسِبٌ جدًّا وليسَ كثيرًا, لم أفهمْ ذَوْقَ أُمِّى يومًا ما.
وافَقَ والدي لأنَّ الرجل عَرَفَ قيمتي، ولم يكُنْ هناكَ مَفَرّ, وتَمَّ تحديد موعد للاتِّفاق على الخطبة وقراءة الفاتحة، وَأَبْلَغْنا رجالَ العائِلة مِن أعمامٍ وأخوالٍ كي يحضُرُوا الاتِّفاق, وفي اليوم المَوْعُود انْتَظَرْناهُ طويلًا إلّا أنَّه لم يأتِ, واتَّصَلَ أبي به لكنَّ تليفونَه كانَ مُغلَقًا.
ذَهَبَ والدي إلى منزله ليسألَ عنه, فَوَجَدَهُ أمام التلفاز، فسألَه باستغرابٍ: كان لديكَ موعدٌ اليوم ببيْتِنا، لكنِّي أراكَ مُستَمتِعًا أمامَ التلفاز، خيرًا !!
يُقاطِعُ والدي لِيَرُدَّ وبِكُلِّ بُرُودٍ: أُمِّي رَفَضَتْ هذه العروس، لا تَراها مُناسِبَةً لي .
يَستَشيطُ والدي غَضَبًا مِن كلامه: نعم!! لماذا حَدَّدْتَ موعِدًا إذن وجعلتَنا نَنْتَظِرُكَ؟؟ هل صَعُبَ عليك الرفض؟؟
عبد الفتّاح في نَدَمٍ: آسف يا عمِّي, سآتي معكَ حالًا إنّها تُعْجِبُني كثيرًا, الفكرة أنَّ أمِّي لا تراها مُناسِبةً لي.
يَتْرُكُهُ والدي ويخْرُجُ مِن منزله بعد هذه المُهاتَرات, ليخرج وراء أبي مُسْرِعًا لِتُنادي عليه أُمَّهُ إلّا أنّه يَتْرُكُها وينزِلُ، كانَتْ والدِتُه تُسَيْطِرُ عليه بشكلٍ سَلَبَ إرادته, رجلٌ مِسكينٌ، وأنا فتاةٌ لا تُحِبُّ الانتظار، أُفَضِّلُ التحكُّمَ في أُمُورِي دائِمًا وَأَتَحَكَّمُ بِزِمامها.
دَخَلَ والدي ووراءه العريس معتذِرًا مُتَلَهِّفًا إلّا أنَّ كلماتِه لم تشفعْ أو تنفعْ بالنِّسبة لي, لم أَقِفْ حتّى لِأَسْتَمِعَ لكلماته, أمّا أُمُّي فَوَبَّخَتْهُ كثيرًا وكانَتْ ثائِرةً جدًّا لِوَضْعِها في هذا المَوْقِفِ المُحْرِج.
أَبْدى حرجه الشديد مِن هذا الموقف وبدا مُحتَرَمًا, فَأَعْطى والدي موعِدًا آخرَ بعدَ ثلاثة أيام… رَفَضْتُ تمامًا وَرَفَضَ والدي أيضًا إلّا أنَّ عبد الفتّاح أَصَرَّ وَأَبْدى أَسَفَهُ وندمَه فَوافَقَ والدي على إعطائي له فُرصَةً أخرى، وانْتَظَرْتُهُ أيضًا ولم يأتِ.
عَلِمْتُ بعد ذلك أنَّه رجلٌ مريضٌ, آخِرُ بنتٍ ارْتبطَ بها تَرَكَها يومَ الفرح، لم يَذْهَبْ أصلًا, وقبلَها كانَ يترُكُهُنَّ في الخطبة.
طبعًا أَخْبَرَنِي أنّه أَحَبَّنِي بِصِدْقٍ ولم يَكُنْ يَنْوِي أنْ يَكْسِرَ قلبي كما كَسَرَ قُلُوبَ الكثيرات… نعم، لا تستغرِبُوا فقد خَسِرَ حبيبَتَه مِن قبل, قَسَمَتْ قلبه نصفيْن ولم تترُكْ له إلّا ذلكَ النصفَ القاسيَ الذي يتمنّى الانتقام، كانَ يفسَخُ الخطبة دائمًا فهذا يُشْعِرُهُ بالسّعادة ونَشْوَةِ الانتصار.
أَقْسَمَ لي أنَّهُ كانَ يَنْوِي أنْ يُكْمِلَ حياتَه معي وَأَحَبَّنِي بِصِدق, لكنِّي لم أُصَدِّقْ حرْفًا واحدًا مِمّا قالَ، لم يكُنْ قلبي المُتَحَكِّمَ وقتَها بلْ كرامتي.

يتبع ….

كانَ وسيمًا إلى أنْ تكلَّمَ


أيوه.. ألو.. ألو.. يا قنديل، كيفك يا أخويا؟ الصوت بيقطع.. نحن بخير.. إيه؟؟ الصوت غير واضح؟؟ لا أسمعك جيِّدًا, أنا بخطب لعزايم وعند العروسة الآن… لا لا بنت ناس محترمين وطيبين قوي.. كتَّر خيرك يا قنديل هي في حجم شمعة بنت أزهار… سلامتك يا غالي… مع السلامة. خير يا ست أم عزايم؟؟ أمّي تسأل. دا قنديل أخويا بيكلّمني من السعودية يا ست أم جميلة، وبيسأل عشان يجيب للعروسة عباية وهو راجع. أمّي: يجي بالسلامة والله دا علي اعتبار إني وافقت وهتخدوني معاكو وانتو ماشيين (أنا في سرّي) ضحكت لحماتي أم عزايم قائلة: يجي بالسلامة يا طنط أم عزايم: تؤتؤتؤتؤتؤ طنط إيه؟ قوليلي يا أمّه، انتي زي بنتي برضه. أبتسم قائلة: حاضر يا أمة أم عزايم: شايفه طالعه من بُؤِّك حلوه إزاي؟ أيوه كده، دا احنا هنبقى أهل، ونظرت لأمي قائلة: أستأذن أنا بقه يا أم جميلة وبكره أجيب عزايم يشوف العروسة. أمّي: تشرّفي في أي وقت، بيتك ومطرحك يا أم عزايم.
أمّي: أما يا أبو جميلة متعرفش الست دي طيّبه أدِّ إيه، ارتحت لها أوي. أبي: المهم جميلة يا حجّة. أمّي: هي بنتك بيعجبها العجب موقفه حال المراكب السايرة. أبي: كل شيء نصيب يا أم جميلة. أمي وأبي في حوار خاصٍّ وكالعادة بستمع خلسة… وتاني يوم في الموعد المحدد.. عزايم قاعد مربَّع ايده وينظر للأرض، افتكرته نام لقيت أمِّي بتنبهني: شايفه الأدب والاحترام؟! شايفه الأخلاق؟! أردُّ بإعجاب: لا هو من ناحية أخلاق فهو أخلاق، وسيم وطول بعرض.. والله يا بو جميلة من ساعة ما شفت الآنسة جميلة معاك وإنت بتصلِّح العربيّة، قلت هي دي مراة أخويا (الأسطى شفيق أخو عزايم) أبي: ربنا يبارك فيك يا اسطى شفيق, ويا ترى الأستاذ عزايم شغّال إيه؟؟ يرد العريس عزايم: أنا كسِّيب ولله الحمد يا عمّي… وهنا تقاطعه أم عزايم قائلة: هُمّا العرسان مش هيقعدوا يتكلَّمو مع بعض شويه يا أبو جميلة دا بعد إذنك طبعا؟؟ أبي: آه.. طبعًا طبعًا.
إِيهِ الوادْ الأمُّور دا؟! (أنا بس في نفسي) قاعد مربَّع إيده برضُه وساكت وبعدين أبدأ أنا بقه الكلام وخلاص. جميلة: إزَّيَّك يا أستاذ عزايم. عزايم: بخير يا آنسه جميلة. جميلة: نوَّرتونا النهارده. عزايم: الله يخليكي دا نورك. ويسود صمت لفترة لأبدأ من جديد متسائلة: هو أنت دراستك إيه؟ عزايم: دراسة إيه يا أستاذه هو العلم بيأَكّل عيش؟ جميلة: نعم! عزايم: أنا كنت في الدَّبلون بس مكمَّلْتش. جميلة: يا أهلا وسهلا. عزايم: أنا كنت بحب الدراسة بس الشغل أحسن. جميلة: آه طبعًا. عزايم: طب أديكي معاكي شهادة أهو، عملتي بيها إيه؟ جميلة: ولا حاجه.. علي رأيك معاك حق. عزايم : خلِّينا في المفيد. جميلة: خلِّينا. عزايم: أنا قولت لأخويا إنك مش هترضي بيّا عشان معاكي شهادة بس، قالي معتش فرق، هو حد لاقي عرسان اليومين دُول ولا إيه؟ جميلة: إيه؟ هههه… آه طبعًا حد لاقي عزايم: أنا من عيله ميكانيكيه أصلًا دي الشغل الأساسي بتاع عيلتنا بس أنا الحمد لله ربنا كرَّمْني واشتغلت سوّاق في شركه، ومرتبي فوق 700جنيه. جميلة: ما شاء الله ربنا يكرمك ويزيدك. عزايم: بصراحة أنا كمان ابن بلد وأفهم في الأصول ومحبِّش مراتي تشتغل ولا تخرج من بيتها غير معايا طبعًا. جميلة: آه حقك طبعًا. عزايم: وشهادتك بقه, يفكِّر قليلًا محدثًا نفسه: هتعملي بيها إيه؟ هتعملي بيها إيه؟ ثم ينظر إليها مُكمِّلًا حديثَه: إبقي نْفَعِي بيها العيال، عيالنا يعني! جميلة: آه طبعًا!!! عزايم: بُصِّي يا آنسه جميلة. جميلة: بصِّيت. يُكمِّلُ حديثه: طالما أمِّي وأخويا ارتحولك فاعتبري إنّي موافق، اتشاوري مع الجماعة بقه وابقوا رُدُّوا علينا. جميلة: حاضر.
دا مُلَخَّص سريع لما دار بيننا وقتها على ما أتذكّر, حقًّا كانَ وسيمًا إلى أنْ تكلَّمَ.. صحيحٌ المَرْءُ مخبوءٌ تحت لسانه, كنتُ في حالةٍ مِن الدهشة، بصراحة هو وسيم وأَمُّور وبيشتغل، كلّ دا كويِّس، بس التعليم! أمّي: متعقّديش الدنيا، ناس كتير مِتعلِّمة ومعاها شهادات، عِمْلُوا بيها إيه يعني؟ جميلة: والله… معملوش بيها حاجه، أمّال كنت بَتْعَلِّمْ ليه بقه؟ أمّي: بلاش فلسفه خايبه، عريس حلو وابن ناس، أنظر لأبي: تكلَّم يا بابا، ساكتْ ليه؟ أبي: هُمّا كويِّسين يا جميلة يا بنتي. جميلة: يعني عادي أتجوِّز واحد مَعْهُوش شهادة عشان حِلْو وكَسِّيب؟! أبي: مبدئيًّا الناس موافقين علينا قرِّرُوا عشان نردّ عليهم. أمِّي: موافقين. جميلة: مش موافقة، وكفايه تخدي قررات بالنيابة عنّي. ثمَّ نهضْتُ مُسرِعةً إلى غرفتي ولم أستمع إلى أيّ كلام في هذا الشأن.
بعد مُرُور أسبوعين، أبي: الناس اتَّصلوا يا بنتي وعاوزين ييجوا, هُمّا كويِّسين، أنا سالت عليهم، سِبناكي براحتك تفكَّري. جميلة: يِيجو، مَنا كلامي مالُوش لازمة. أبي: بارك الله فيكي، وإذا كان عليّ التعليم مش مشكلة المهمّ إنه بيشتغل. جميلة: ماشي.
وتدخل أم عزايم مهلّلةً ببعض الزغاريد: سلام عليكم، إزَّيِّكْ يا أمْ جميلة. أمّي: أهلًا يا أم عزايم، اتفضَّلي يا ختي. أمّ عزايم: ازَّيِّكْ يا عروسه؟ اللهمّ صلي على النّبيّ، قمر 14. أمّي: أهلًا وسهلًا. أم عزايم: تعالى يا عزايم متكِّسفش، ادخل. أمّي: سلّمي على الأستاذ عزايم يا جميلة. أُسلِّمُ بخجل: أهلًا وسهلًا، اتفضَّلْ. عزايم: أهلًا يا آنسه جميلة. أم عزايم: إحنا بنفهم في الأصول وبصراحة يشرفنا نسبكم، وجايين نتِّفق معاكو وتحت أمركو في كلِّ إلّلي تطلبوه. أبي: الله يخليكي يا ست أم عزايم، الأمر لله وحده. أم عزايم مُكَمِّلةً حديثها: أنا ربِّيت ولادي علي الأُصُول بعد وفاة أبوهم، كُنْتْ أبِّ وأمّ، ربِّيتهم رِجّالة. أمّي: ما شاء الله! ربِّنا يخلِّي ويْبارك. ينهض الأسطى شفيق مُقبِّلًا رأس أمِّه ويهمُّ عزايم لتقبيل يَدِها… وستنهمر دموعي قريبًا. أم عزايم: بعد إذن أبو جميلة عزايم يقعد مع العروسة. أبي: موافق. وها أنا مره أخرى هو مختلف ليه المرّه دي عن المرّه إلّلي فاتِتْ؟ (بقول في نفسي). بدأ الحديث المرّه دي مباشرًا. عزايم: ازَّيَّكْ يا آنسه جميلة؟ جميلة: بخير الحمد لله. عزايم: البلد حالها مقلوب من بعد ثورة 25 يناير، والدنيا هايصه في بعضها. جميلة: إنت ضد الثورة؟ عزايم: آه طبعًا، ثورة إيه يا أستازه؟! دا شويّة عِيال ولاد، مالْهُمِّش أهل، الله يِخرب بُيُتوهم، الثوره دي جَت على الغلابة إللي زَيِّنا! جميلة: أنا مع الثورة، على فكره وشاركت فيها. عزايم: نعم! شاركتي فيها إزّاي يعني؟ رُحْتي التحرير يعني ولا إيه؟!!! جميلة: أيْوَنْ. عزايم: لا والله إنتي بتتكلِّمي بجد ولا بتهزَّري. جميلة: بجد جدًّا. ثارَ وماجَ. لا يا أستازه إستنِّي يا أمَّه متتفقيش على حاجه الله يرحمك، ياباه مشفتش مرّات بنتك كانت في التحرير؟ أم عزايم: تحرير إيه يا وله؟ إللي بيجي في التليفزيون؟ عزايم: آه يا أمّه، قال إيه كانت في التحرير. أم عزايم: داهية توقف حالهم بِتُوع التحرير دول. أمِّي تُحاول تهدئة الموقف: بس استهدي بالله كده يا أم عزايم. الكلام دا بجد يا أم جميلة؟ أم عزايم بتسأل، أمّي ترد: وفيها إيه يا ختي؟ عزايم: يالله يا أمّاه، فرصه سعيده يا حجّ.. قال تَحرير قالْ. جميله: إنتو واخدين علبة الجاتوه في إديكو تاني؟! أم عزايم: أيوه يا ختي إحنا أولى بيها.
أمّي: كده انبسطتي طفِّشتي الناس وارتحتي؟ جميلة: هو أنا عملت إيه؟؟ أمّي: بيتقوليله كده ليه وتزعليه؟ أبي: استهدي بالله يا أم جميلة، صحتك مش كده. جميلة: ازعَّله!!!! ينفلق مع السلامة. أبي: كويِّس إنّهم مشيوا؛ لأنّي أحبّ جوز بنتي يكون معاه شهادة محترمه زّيِّكْ كده. جميلة: بجد؟! يعني مِش زعلان يا بابا؟ أبي في حنان: أبدًا، أنا تِهِمِّني راحتك. أمّي: حد لاقي عريس زي ده طول بعرض؟ منِّك لله يا جميلة، مش هتفرَّحيني في حياتي أبدًا. جميلة: كل شيء نصيب يا ماما.

سَـــرَقَـنِـي بِـعَــيْنَيْه 2


عادَ الجميع بعد أنْ ماطلُوا بما يكفي في الوقت؛ حتّى يتسنّى لنا معرفة بعضنا البعض، ثمَّ استأذنُوا بالرحيل، وودَّعَني سميرٌ بنظرةٍ يملَؤُها الحنان، كانتْ تبعث بداخلي إحساسًا يجعَلُني سعيدة لكنْ ما يلبثُ أنْ يُشعِرَني بالقلق. غادرَ الجميع ووعَدُوا بزيارة قريبة وقد أصبح أبي وخالُه شكري صديقيْنِ جدًّا, وقد أعطاهُ أبي ذلك الكتابَ الذي أعجَبَه في مكتبةِ بيتِنا التي نادرًا ما يخرُجُ منها كتاب إلى شخص غريب, أشعرَني هذا بالراحة حقًّا فلَسْتُ الوحيدة التي تتصرَّفُ على نَحْوٍ غريب.
لم أستطِعِ النوم في تلك الليلة، وجلستُ أقرأُ في أحد الكُتُبِ إلى أنْ غلَبَني النوم, وفي الصباح الباكِر توقَّعتُ أنْ يبدَأَ أبي الحديثَ عن هذا الموضوع لكنّه لم يفعلْ… أرادَ أنْ يترُكَ لي الوقت الكافيَ لأُفكِّرَ وقد كان… لكنْ سمِعتُ خلسةً هذا الحوارَ الدائرَ بين أبي وأُمِّي وهما جالسانِ أمامَ التلفاز.
أبي: ما رأيُكِ يا أُمّ جميلة بالعريس؟
أمِّي: والله الولد وعيلتُه طيِّبونَ إلّا أنّ جميلة صغيرة.
تردَّدَ أبي قليلًا قائلًا: ليسَتْ صغيرَةً, إنِّها فتاة جامعيّة ناضجة.
وكما لو كانَ كلامُ أبي قد شجَّعَ أُمِّي كثيرًا فردَّتْ قائلةً: كما ترى زوجي الحبيب.
أتمنّى أنْ أراها عروسًا اليومَ قبل الغد, ولكنِّي أَخْشى صغر سنِّها… لا زالَتْ صغيرة.
أبي: دَعْكِ مِن هذا, إنَّه شابٌّ ممتاز طيِّب, دَخَلَ قلبي, وليسَتْ صغيرة إنِّها كبيرةٌ بما يكْفِي, وما رأي جميلة إذن؟؟
أمِّي: الحقيقة لم أَسْأَلْها أو أَتناقَشْ معَها بعد, تركْتُ لها وقتًا للتفكير.
ردَّ والدي: إذن اسأَلِيها وتكلَّمِي معَها لِتَعْرِفِي رأيَها.
عُدْتُ مُسرِعةً إلى غرفتي بعدَ أنْ سَمِعْتُ المُخْتَصَرَ المُفِيد, كانَ بداخلي شعورٌ يجمَعُ ما بين الفرحة والاحتراس. دائمًا أشعُرُ أنَّ أكثر ما يُسْعِدُ الإنسانَ هو ما يَجِبُ أنْ يخشاهُ, لكنِّي تَناسَيْتُ تمامًا ذلك الشعور وَأَعْلَنْتُ مُوافَقَتي.
وهكذا بَدَأَتْ قصَّتي الخياليَّة التي اعْتَقَدْتُ أنَّها ستَنْتَهِي بالسعادة إلى الأَبَد. وتمَّ الاتِّفاق وتحديدُ ما يَلْزَمُ, كما تحدَّدَ موعِدُ خطبتي أيضًا, سَرَقَتْنِي الفرحةُ الغامِرة, لم أَهْتَمَّ طبعًا بتلك التفاصيل (أينَ سَأُقِيمُ الحفل؟ أو لون الفستان… إلخ)، كنْتُ معَ إنسان أَخَذَنِي إلى عالَمٍ آخرَ بتفكِيره وأُسلُوبه وجُنُونه أو رُبَّما تشجيعه لِجُنُوني.
أَذْكُرُ في إحدى المرّات التي خرَجَنا فيها سويًّا في عشاءٍ رُومانسيٍّ رائِعٍ أنَّني سَأَلْتُهُ: ما أكثرُ بلدٍ تُحِبُّهُ وَتَوَدُّ أنْ تُسافِرَ إليه؟
تفاجَأْتُ بإجابته الحازِمة: روسيا أو رُبَّما القطب الشماليّ؛ فأنا أَعْشَقُ الصقيع.
انْتَزَعَنِي مِن انْدهاشي قائِلًا: وأنتِ؟
أَجَبْتُهُ: بيرو حيث المُغامراتُ التي لا تنتَهي.
انْفَجَرَ ضاحِكًا بالطّبع ولنْ أَقُولَ إنَّه كانَ مِن أكثرِ الأحاديثِ رُومانِسيَّةً بينَنا, فمُعْظَمُ أحاديثنا كانَتْ عَن علم النَّفْسِ أو الفلسفة أو رُبّما عن علم التشريح الذي كانَ مِن عُلُومي المُفضَّلة, وقد وَعَدَنِي أنْ يُعَلِّمَني كلَّ شيءٍ عنِ التشريح, لا أَتَذَكَّرُ متى فَرِحْتُ على هذا النَّحْوِ مِن قبل, اعتقَدْتُ أنَّ الحياة أعطَتْني أكثر مِمّا ينبَغي ولكنَّ السعادة لا تكُونُ للأبد…
تُوُفِّيَتْ جدَّةُ سميرٍ قبلَ موعِد الخطبة بأيّام, وتمَّ تأجيلُها طبعًا, وقد تأثَّرَ سمير كثيرًا لِمَوْتها. لمْ تدمَعْ عيناهُ ولم يتكلَّمْ معَ أحدٍ ولا حتّى معي.
حَزِنْتُ كثيرًا لِوَفاتها، فقد كانَتْ سيِّدةً ذات طابَعٍ راقٍ وعقليَّةٍ فذَّةٍ, أَحْبَبْتُها كثيرًا واعتَقَدْتُ أنَّها أيضًا أَحَبَّتْني, حَزِنْتُ كثيرًا لِخَسارَتِها وحزنْتُ أكثر مِن أجلِ سمير الذي لم يستَطِعْ أيُّ أَحَدٍ مُواساتَه. مرَّ أكثرُ مِن شهر لم نتقابَلْ أو نتحدَّثْ خلالَه إلّا قليلًا. كم تمنَّيْتُ لو أنَّ هناك أيَّ شيءٍ أفعَلُه مِن المُمْكِنِ أنْ يُخَفِّفَ عنه ذلك الحُزْنَ, لكنَّه كانَ عصبيًّا جدًّا في تلك الفترة وتغيَّرَتْ طباعه كثيرًا.
أَتى سمير إلى بيتِنا في أَحَدِ الأيّام, قالَ مباشرةً: لقد أَصْبَحْتُ وحيدًا يا عمِّي، وأعلَمُ جيِّدًا أنَّ الاتِّفاقَ كانَ الزواج بعد عاميْنِ، وأحترِمُ الاتِّفاق طبعًا ولكنّها أَصْبَحَتْ مُدَّةً طويلَةً على فتًى أَصبَحَ وحيدًا تمامًا. أَوْمَأَ والدِي برأسِه موافِقًا له في كلامِه مُلْقِيًا بعض عبارات المُواساة ثمَّ أكمَلَ سمير: أُريِدُ جميلة يا عمِّي بحقيبةِ ملابِسها لا أكثرَ ولا أَقَلّ, سَنَبْنِي مُستَقبَلَنا معًا إنْ شاءَ الله.
أُعْجِبْتُ جدًّا بكلامه وعقليَّته المُتَّزِنة، أَسَرَ قلبي مِن أَوَّلِ نظرةٍ كما أُعْجِبَ والدي كثيرًا بحديثه وَطَلَبَ مِنه فُرصَةً للتفكير, وانْصَرَفَ سمير.
نَظَرَ أبي إلى أُمِّي لِيَسْأَلَها رأيَها إلّا أنّها أَبْدَتْ رفضَها مُعلِّلةً بأنّي ما زلتُ صغيرة, استشعرَ أبي موافقتي مِن عيني, فلم يسألْني, اكتفى بالنَّظَرِ إليّ، ولكنَّ والدتي صَمَّمَتْ على الرفض ولم يستَطِعْ أبي إقناعَها ولم أستَطِعْ أيضًا الحُصُولَ على رِضاها بعد مُحاوَلات مُستمرّة, كانَ عليَّ الانصياعُ لِرَغبة أُمِّي, أَبْلَغَهُمْ والدِي رَفْضَنا وعليه الانتظار حسب الاتِّفاق… وانْفَصَلْنا.
أَخْبَرَنِي بأنّه لنْ ينساني، وأنَّه سيعودُ بعد إنهاء دراسَته بالخارج، وأنَّ عليَّ الانتظارَ، وكلُّ شيءٍ نصيبٌ بالأوَّل والأخير. كثيرٌ مِن الوُعُود… لكنِّي لم أُرِدِ التصديق.
فقط أنا وَعَدْتُ بأنَّ هذا الحُبَّ لن ينتَهيَ مِن حياتي، وانقَطَعَتِ الأخبار… لم أَسْألْ عنه حتّى… ولكنِّي كُنْتُ أستشعِرُ وُجُودَه, دائمًا كانَ هناك شيءٌ يُحرِّكُني تجاهَه, ظَلَّ حُبُّه في قلبي سرًّا ولم أستطِعْ إنهاءَ هذا الفصل مِن حياتي.
ومضى عامٌ… وَعَلِمْتُ أنَّه عادَ، وَعَلِمْتُ أيضًا أنَّه ما زالَ وحيدًا لم يخطبْ وانتظَرْتُه لِيُهاتِفَني وتردَّدْتُ كثيرًا في أنْ أُهاتِفَه, ولكنَّه لم يتَّصِلْ بي ومضى الكثير مِن الوقت بينَ التردُّد, ومِن ثَمَّ سَمِعْنا عنْ حادِثٍ على الطريق السريع راحَ ضحيَّتَهُ شابٌّ, كانَ حادِثًا مُرَوِّعًا, أَثارَ أَسى الناسِ وحزنَهم, ولكنَّ حُزْنِي كانَ مُضاعَفًا عندَما عَلِمْتُ أنَّ هذا الشابَّ هو سمير.
تَمَنَّيْتُ لو كُنْتُ سَمِعْتُ صوتَه، تمنَّيْتُ لو لمْ أَتَرَدَّدْ, ولكنْ كانَ عليَّ إخفاءُ أحاسيسي بابتسامَةٍ؛ لأنِّي كنْتُ أَمْلكُ مِن المشاعر ما لا يَستَوعِبُه غيري.

يتبع ….

سَـــرَقَـنِـي بِـعَــْينَيْهِ 1


لم أَعْتَدْ تضييعَ الوقت في حياتي، فكلُّ ثانيةٍ عندي لها قيمةٌ، تعوَّدْتُ الذهاب إلى النادِي لمُمارَسة الرياضة التي أُحِبُّها كثيرًا وهي التِّنْسُ، كُنْتُ لا أَمِيلُ لِصَداقات النادي كثيرًا, ولكنِّي كُنْتُ أُحِبُّ أنْ أَقْضِيَ وقتي في أشياءَ مُفيدَةٍ دائمًا, إلّا أنَّ المُجتمَعَ كانَ يَرى أنَّ البنت يجبُ ألّا تُمارِسَ الرياضة؛ خوفًا على أُنُوثَتِها، كمْ كُنْتُ أتمنّى ممارسة رياضة مثل: الكاراتيه أو الكونغفو، ولكنَّ تلك الأفكار البالِيةَ فُرِضَتْ عليّ حتّى ممارسة رياضة التنس, كونِي فتاةً حَرَمَنِي مِن الكثير وفَرَضَ عليَّ أيضًا الكثير… على أيِّ حالٍ كانَ هناكَ الكثير مِن المُعجَبينَ بالنّادي, ولكنِّي لم أَكُنْ لأُعِيرَ أَيًّا منهم الاهتمام، وسرعان ما بَدَأَ العامُ الدراسيّ وَبَدَأْتُ أوَّلَ سنةٍ لي في كليَّةِ الآداب، قِسم علم النَّفْس.
انْشَغَلْتُ بالدراسة كثيرًا، فقد كانَتِ الموادُّ شيِّقَةً للغاية وبمَثابة حُلْمٍ يتحقَّقُ، فأنا أعشَقُ التعمُّقَ في خبايا النَّفْسِ وأسرارِها. قلَّ ذهابي إلى النّادي طبعًا… ولكنْ كان لي يومٌ لممارَسة الرياضة. عُدْتُ يومًا مِن الكُلِّيَّةِ وَدَخَلْتُ أُلْقِي التحيَّةَ على أبي، كعادتي: أهلًا يا بابا.
أَبي مُبتَسِمًا: أهلين يا جميلة يا بنتي؟
جميلة: بخير الحمد لله.
أبي: الكليّة أخبارها إيه؟
جميلة: الحمد لله.
سَكَتَ أبي قليلًا ثمَّ استطردَ قائلًا: أودُّ أنْ أُحَدِّثَكِ بموضوع؟
جميلة: خير يا بابا.. اتْفَضَّلْ.
قالَ مرّةً واحدةً وكأنّه يخشى أنْ يرجِعَ في قراره بإخباري: في واحَد معجب بيكي، شاب من بالنادي.
رَدَدْتُ وقد احمرَّ وجهي خَجَلًا: مَن هذا؟؟؟ يا بابا أنا مَعرفش حدّ في النادي ومِشْ بَكَلِّمْ حدّ.
أبي: عارف يا بنتي هو قالِّي إنّه تِعِبْ جدًّا لَحَدِّ ما عِرِفْ اسمِكْ وِعِرِفْ يُوصَل لمكان شغلي.
سَكَتَ لحظاتٍ لِيَستَشِفَّ مِن تَعبيرات وَجهي الخَجُولة أيَّ أجابةٍ ثمَّ استطردَ قائلًا: هو بايِنْ عليه محترَم وشكْلُه جادْ مِن كلامه وعلى قدر كبير من العلم.
ازْدادَتْ حُمرة وجهي خجلًا ولم أستَطِعْ إلّا أنْ أُتَمْتِمَ ببعضِ الكلمات غير المفهومة، ودي كانِتْ أوّل مرّة بابا يكلِّمني في موضوع الجواز بشكل مباشر.
أَنْقَذَنِي أبي مِن تَرَدُّدِي قائلًا: بلا استعجال في الحكم عليه هو جاي بعد بُكره يزورنا مع خاله, والدُه ووالدتُه ماتُوا وهو صغير وخالُه ربّاه, وما شاء الله هو دِلْوَقْتِي في سنة الامتياز في كليّة الطِّبّ.
رَبَتَ أبي على كتفي في حنانٍ مُكَمِّلًا حديثَه في لهجةٍ حانِية: مِتْأَكِّدْ إنِّكْ هَتِعْرَفِيه كويِّس وبَثِقْ في حُكمكْ دايمًا على الناس.
ارْتَمَيْتُ في حُضن أبي وَقَبَّلْتُهُ قائِلَةً: تلميذتك يا أستاذي.
ضَحِكَ أبي قائلًا: طيِّب هيا بنا نحضَّر الغدا.
عَرَفْتُ مِن لمعةِ عُيُون أبي أنَّ هذا الشابَّ أَعْجَبَهُ كثيرًا، كانَ كأنَّهُ يتكلَّمُ عن صديقٍ مُقرَّبٍ، كان الموضوع في مُجمَلِه به شيء غريب, لكنْ في داخلي كانَ شوقٌ وفُضُولٌ لِمَعرفة ذلكَ المُعْجَبِ السِّرِّيِّ الذي استطاعَ الوُلُوجَ إلى قلبِ أبي العزيز، لكنْ ما فائدة الاستعجال والأيّامُ تَمُرُّ في لَمْحِ البَصَر؟!
وجاءَ اليومُ المَوعود… وما بين قلقِ أُمِّي ونصائِحِها التي لا تنتَهي كيف أَتَحَدَّثُ وكيف أجلِسُ ومتى أتحدَّثُ وماذا أَقُولُ والصراعِ الذي يَدُورُ بداخلي, كان بداخلي سؤالٌ واحدٌ؟ منذُ متى وأنا أَتَحَمَّسُ لرُؤية أَحَدٍ أو أَقْتَنِعُ أنَّ أَحَدًا قد يُحِبُّ شخصًا لا يَعْرِفُه؟
وَقَطَعَ صوتَ أفكاري نداءُ أبي: جميلة… يا جميلة… الناس على وْصُول يا بنتي.
أَخْرُجُ مِن غُرفتي مُسرِعَةً لِأُجيبَ: أنا هُنا يا بابا وجاهزة.
قالَ أبي وهو يَتَفَحَّصُنِي بنظرَةٍ حانِيَة: ما شاءَ الله، ما هذا الجمال تبارك الله يا جميلة؟! أُريدُكِ أنْ… قَطَعَ صوتُ الجَرَسِ كلماتِ أبي الذي أشارَ عليَّ بالدُّخُول لغرفتي وذهبَ لِيَفتحَ الباب.
وَجَلَسَ الضُّيُوف, مرَّتْ فترةٌ ما بين السلامات والكلام العاديِّ عن العائلة، يتخلَّلُه ذِكْرُ كلمةٍ أو ثِنْتَيْن عن السياسة وحالِ البلد، وأنا بالداخل يقْتُلُني المَلَلُ، مُنتَظِرَةً انتهاء البروتوكولات المُعْتادة وسماعَ الكلمة السِّحريّة, أينَ عروسَتُنا الحُلوة؟ حيثُ نَطَقَتْها بشيءٍ مِن الفُضُول زوجةُ خالِ ذلكَ الطبيبِ الذي لم يُخْبِرْنِي أبي باسمِه ولم أنْتَبِهْ لذلكَ إلّا وقتها اعْتَراني الغضبُ وَكِدْتُ أُقْسِمُ ألّا أَخْرُجَ قبلَ أنْ أَعْرِفَ كلَّ شيءٍ عنه، إلّا أنَّ والدَتي أَتَتْ لِتُنادِي عليّ.
قالَتْ أُمِّي: يالله يا بِنتي، سمير وأهله بالخارج، هيّا حتّى لا نَتَأخَّرَ عليهم.
حَدَّثْتُ نفسي قائِلَةً: مممم… سمير!! جيِّد إذن عَرَفْتُ الاسم, هناكَ تقدُّمٌ ملحوظ.
وَدَخَلْتُ إلى غرفة الجلوس يعتَريني كِبرياءٌ مَشُوبٌ بالخَجَل، أَذْهَلَتْنِي في البِداية رؤيته، وَتَذَكَّرْتُهُ على الفَوْر. كِدْتُ أَصِيحُ هل هذا أنت؟ كُنْتُ أراهُ دائِمًا بالنّادي، إنَّه لاعِبُ السَّلَّةِ صديقُ مُدَرِّبِ التِّنْسِ خاصَّتي.
حسنًا ليسا صديقيْنِ مِن فترة طويلة، إنّها صداقةٌ حديثة على ما أَعْتَقِدُ، وهذا يُفَسِّرُ الكثير.
أَغْضَبَنِي الأمرُ في البداية واعْتَبَرْتُهُ مُفْتَقِدًا للذَّوْق, لكنِّي آثَرْتُ الصَّمْتَ على أَمَلِ أنْ ينتَهيَ هذا اليومُ على خير… إِحِمْ إِحِمْ وبُدُونِ إصابات… تقدَّمْتُ بِصينيّة الجاتوه والعَصير، وجَلَسْنا جميعًا نَتبادَلُ أطرافَ الحديث، وتولَّتْ زوجةُ خالِهِ مَهَمَّةَ تَفَحُّصِي, في الواقع كانَ بعَيْنَيْهِ بريقٌ عجيبٌ ومُمَيَّزٌ في الوقت نفسه.
وفجأةً صاحَ خالُه شُكري كما طَلَبَ مِنِّي أنْ أُنادِيَه: بِجَدِّ يا أبو جميلة عندَكْ الكِتاب دا بالمَكتبة؟!
ردَّ أبي قائلًا: عندي مكتبة كامْلَة هَتِعْجِبَكْ، اتْفَضَّلْ معايا؟
ينهَضُ العَمُّ شُكري طبعًا لِيَلْتَفِتَ أبي إلى الطبيبِ قائلًا: إنْتَ في بيتكْ طبعًا يا سمير يا ابني.
لم تَخْفَ عليَّ تلك الحركات، فقد قالتْ أُمِّي لزوجَةِ خالِ سمير أنْ تَذْهَبَ معَها لِتُرِيَها شيئًا ما هي الأخرى، وبالطَّبع لِأَجْلِسَ معَه ونتحدَّثَ. ذَهَبَ الجميعُ وبالطّبع لم أبْدَأْ أنا بالحديث لِأَرى ماذا سيفعَلُ ذلكَ الطبيب اللبِق.
وَبَدأَ سمير…
سمير: أهلًا يا آنِسة جميلة.
جميلة: الحمد لله بخير يا دكتور.
سمير: اسمي سمير وأرجو تكوني فكراني مـ…
قاطَعْتُ حديثَه في لهفَةٍ: نعم أَتَذَكَّرُكَ, إنت صديق المدرِّب حازم.
ابتَسَمَ ابتسامةً خفيفةً وقالَ: مِن فترةٍ قصيرةٍ، في الواقِع كانَ هو الطريق الوحيد إليكِ.
في الواقع لم أَتَوَقَّعْ منه إجابةً جريئةً مباشِرَةً كَتِلكَ, فبادَلْتُه نفسَ تلك الابتسامة الواثِقة. كانَ في غاية الثقة, كلامُه يَجْمَعُ بينَ اللباقة والحَنان وبعضٍ مِن الغُمُوض.

ثمَّ أكمَلَ حديثَه: الأوِّل هَكَلِّمِكْ عن نفسي، أنا في سنة الامتياز بكليّة الطّبّ, لكنْ في نفس الوقت أَعْمَلُ معَ عمِّي بالشركة التي تَرَكَها والداي رحمةُ الله عليهما, تربَّيْتُ معَ جدَّتي وخالي وعندَما تزوَّجَ خالي عِشْتُ معَ جدَّتي, إنَّها سيِّدَةٌ حنون حكيمةٌ تُحِبُّنِي كثيرًا وَتَهْتَمُّ لِأَمري. حاوَلْتُ أنْ أُواسِيَه ببعض كلماتِ التعازي، لكنَّه ردَّ بِلُطف بأنَّه أمرٌ قديم وقد مَرَّ الكثير مِن الوقت. تبادَلْنا أطرافَ الحديث في أُمُورٍ مِن هُنا وهُناك، كانَ يتخلَّلُها بعض تعليقاتِه الظريفة وأفكارِه التي أَعتقِدُ أنَّها أغرَبُ مِن أفكاري المَجنونة.

كلب ساحل سليم .... بقلم الجنرال

قصة غريبة و نادرة عشتها عن قرب و كنت شاهد عليها في منصف السبعينات بطلها مجرد "كلب" كلب بسيط..شعبي..غلبان..ينتمي الي جنس الكلب البلدي...إبان عملي بمدرية امن اسيوط..كان بكل مركز شرطة مشروع سمي بالقوة المجمعة...هذا المشروع أنشأ بعد الغاء نظام دوريات السواري "الخيل" في نهاية الستينات...كان تطور كبير في مجال الامن العام...أصبح بكل مركز شرطة قوة من المجندين تعدادها حوالي 80 مجدند مسلحين بالبنادق الآلية لمواكبة اسلوب مواجهه الجريمة و العصابات التي لم يعد يجدي معها دوريات السواري التقليدية التي لم يبقي منها الا بعض اللقطات السينامائية لافلام قديمة شاهدة على عصر ولى و انتهي...
كان هؤلاء المجندين يعيشون إعاشة دائمة داخل عنبر كبير ملاصق لمركز الشرطة..يشرف عليهم و يتولي تدريبهم إثنين من أكفأ ظباط المركز..حتي اصبحت تلك القوات هي القوة الضاربة الرئيسية للمركز...يعتمد عليها في المأموريات و مواجههة الخارجيين علي القانون.
لاحظ الجميع وجود كلب صغير (جرو) يعيش بالقرب من عنبر الجنود..كان يعيش على بقايا طعام الجنود... و بعد شهور قليلة اصبح الجرو كلب قوي يتمتع بصحة و لياقة عالية...
كان يصاحب الجنود في تدريباتهم اليومية الصباحية.. لم يرتبط بجندي او شرطي او ضابط معين...كأنه انضم الي قوة المركز...مان يحفظ كل العاملين بالمركز عن ظهر قلب..و في فترة لاحقة وجدناه يصاحب القوات في كل المأموريات الأمنية...كان يستشعر قيامنا بالمأموريات و بمجرد الاعداد و تجهيز السيارات..كان يبادر بصعود السيارات مع المجندين و القوات المقلة للقوات دون اي دعوة من أحد...كان يرفض تماماً مغادرتها و يصمم على مصاحبة القوات...كان له دور بارز في مطاردة المجرمين و الخارجين علي القانون..كان لديه قدرة هائلة على التعرف على الهدف الذي نتبعه و يلهث ورائه...كان يتخطانا جميعاً و يمسك بتلابيب اي خارج عن القانون..
كان واثق من قدراته و يستشعر قوته..خادم مخلص و مطيع...كثيرا ما ساعدني شخصياً في لحظات عصيبة..فأجده بجانبي..يذود عني بجسارة و وفاء نادر...أذكر في احد الايام انه القي بنفسه في النيل و مكننا من القبض علي مجرم خطير و ضبط سلاحه...كان اداءه يتطور بصورة مذهلة...شكله و هيئته تغيروا بشكل ملفت للنظر...اصبح كلب بوليسي حقيقي كامل الاوصاف..
عرفه اهالي و جيران مركز الشرطة و تعودوا ان بروه نائم امام المركز..كما تعود سائقي السياؤات السيارات المارة ان يهدؤا و يقفوا و يطلقوا الات التنبيه حتي يستيقظ الكلب و ينتبه ثم يسير بهدوء و كبرياء و يفسح لهم الطريق ثم يعود و ينام مرة أخرى...للاسف كانت عادة غريبة و سيئة، ففي احد الايام جاءت سيارة مسرعة يقودها شخص غريب لا يعرف سلوكيات هذا الكلب و اصطدم به و احدث به اصابات بالغة..حاول الجنود انقاذه فأدخلوه عنبرهم ثم استدعوا الطبيب البيطري الذي بذل جهدا كبيرا دون جدوي..و بعد عدة ايام نفق الكلب..الذي لم يكن له اسم..قام المجندين من تلقاء نفسهم بعمل حفرة بحديقة المركز حيث دفن تكريماً له.
هذه القصة حدثت سنة 1976 بمركز شرطة ساحل سليم بأسيوط